أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
المقدمة 16
قهوة الإنشاء
وفي الختام يطرح علينا السؤال عن طريقة سلكها ابن حجّة في تصنيف مجموعته هذه ؛ وقد ذكر في مقدمتها أن الفواكه الحموية سوف تتلو الحلويات القاهرية « 1 » ، مما يمكن الاستنتاج أنه احتفظ بالمادة الإنشائية التي نتجت من نشاطه في حماة والقاهرة ووضع خطته ، فقسم هذه المواد قسمين قائمين بالذات ، ونقلها أخيرا إلى حماة واختار منها أفضل النصوص المثالية وحقق نيته في راحة منزله . ويبدو هذا الافتراض مقبولا تماما لو لم تبرز عدة أدلة تنفيه تماما ، منها مثلا نسخة قهوة الإنشاء المحفوظة في ليدن . فلا تشمل هذه المخطوطة إلا الوثائق الستّ والعشرين الأولى ومجاراتي ( تمائم الحمائم ) و ( مجرى السوابق ) ، ونقرأ في خاتمتها أنها تحتوي الجزء الأول من مؤلف ابن حجّة ، وأن نسخها تم في القاهرة في أوائل ذي الحجة سنة 817 ه ، أي بعد إنشاء الوثيقة الأخيرة الموجودة فيها بثلاثة أشهر تقريبا « 2 » . ويشهد هذا القول بوضوح بأن ابن حجّة لم يؤلف « قهوة الإنشاء » بعد انتهاء خدمته في ديوان الإنشاء قبل مغادرته مصر إلى سوريا أو بعد وصوله إلى حماة ، بل يتضح منه أنه كان ينظمها تدريجيا خلال عمله في الديوان بالقاهرة . وما يثير عجبنا هو ما قاله في المقدمة عن « الحلاوة القاهرية والفواكه الحموية » ؛ فما كان قصده من الحلاوة أو بالفواكه ؟ هل قصد بهذا القول نتاج عمله في الديوان فحسب ، أو كان يشير إلى غير ذلك من منشآته الأدبية ؟ كيف عرف مدة بقائه في القاهرة أو مدّة عمله في ديوان الرسائل ؟ وقد كان يعتمد على منّة السلطان أو على نفوذ ابن البارزي ؟ لعله لم يستقر في وظيفة المنشئ طويلا ، وقد شرع في إعداد « قهوة الإنشاء » ، وربما عزم على عرض فنه الإنشائي على زملائه وتابعيهم ليس ذلك وحسب ، وإنما على مساعدتهم وتسهيل عملهم أول ما تجمّع بين يديه بعض منشآته « 3 » ، فتأكد عزمه على تشكيل كتابه
--> ( 1 ) نجد هذا المصطلح مكررا في الوثائق أيضا مثل الرقم 82 و 92 في صورة « الفواكه الشامية والحلاوة القاهرية » . ( 2 ) هذه الوثيقة مؤرخة في مستهل رمضان 817 ه ، وناسخ المخطوطة تلميذ ابن حجّة عبد الرحمن بن خرّاط ( راجع توقيع عبد الرحمن بن خرّاط بكتابة السر بطرابلس في الرقم 28 ) . ( 3 ) سمّى ابن حجّة مصنفه هذا من البداية ، ونقرأ عنوانه في مقدمة الجزء الأول ، ونجده في عدد من النصوص مستعملا كالتورية . ويذكر ابن حجّة نفسه بأنه « صاحب القهوة » أو « منشئ القهوة » مثلا الأرقام 110 و 112 آ و 112 ب وغيرها .